إشراقة: اللغة والفن وثقافة المجتمع

العلاقة بين اللغة والمجتمع علاقة جوهرية، كالعلاقة بين الروح والجسد فى الإنسان، والشكل والمضمون فى العمل الفنى، وكما يقول د. على عبد الواحد وافى ـ فى كتاب " اللغة والمجتمع " ـ " اللغة ليست من الأمور التى يصنعها فرد معين أو أفراد معينون، وإنما تخلقها طبيعة الاجتماع، وتنبعث عن الحياة الجمعية، وما تقتضيه هذه الحياة من تعبير عن الخواطر، وتبادل للأفكار " واللغة من خلال ذلك المنطلق ظاهرة اجتماعية، تتأثر سلبا وإيجابا بالظواهر والمتغيرات الإجتماعية الآخرى التى تنتج من داخل المجتمع، أو التى تتوافد على المجتمع من الخارج، في عصر التعددية الثقافية، وسوف أتحدث هنا عن ظاهرة تواجه عالم الفن الدرامى سواء فى التليفزيون أو السينما أو غيرها. هذه الظاهرة هى القبح اللفظى فى اللغة.

. إن اللغة فى عالم الدراما تعبر عن أفكار ومشاعر لشخصيات فى مواقف حياتية تعيشها الشخصيات فى بيئة مكانية وزمانية معينة، وفق تطور وتصاعد للأحداث. هذه اللغة تنقل الكثير من المعانى والتعبيرات والتصورات، إنها وسيلة التواصل، إنها إنعكاس للواقع. والسؤال الجوهرى هنا إلى أى مدى تعكس اللغة هذا الواقع فى حديث الشخصيات والتعبير عن المواقف المختلفة؟ هل نستخدم اللغة بطبيعتها كما هى فى الواقع المعاش؟ أم نستخدم اللغة فى إطار البعد الفنى الذى يتسم بالإنتقاء والاختيار لتراكيب ومفردات اللغة، والتى تعبر أيضا عن مكنون الواقع والشخصيات، ولكن بأسلوب فنى. هناك رأى يقول يجب تقديم اللغة فى طبيعتها معبرة عن ابتزال ووقاحة واسفاف التجربة الحياتية بغرض أن ذلك هو الواقع، نعم هذا صحيح، ولكن فى إطار الفن هناك الاختيار والتلميح والرمز كأساليب فنية تعبر عن الواقع أيضا. كما يجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الأسلوب ينتمى إلى المدرسة الطبيعية فى الأدب والفن العالمى، فقد حاولت هذه المدرسة أن تقدم هذا النهج. الأديب إميل زولا (1840- 1902) هو الأب الروحى للمدرسة الطبيعية فقد حاول خلق أدب يسعى إلى الحقيقة، مراقبا ومحللا كل ما هو كائن بشكل دقيق، كاشفا أمراض المجتمع بلا خجل، شارحا الواقع الحضيض، محللا العلاقات الإنسانية فى خصائصها وسماتها الطبيعة " إنه سقوط المخيلة. هذا التيار لم يستمر لأنه لا يمكن تقديم الواقع كما هو تماما فى العمل الفنى، فهناك دائما معايير فنية فى منظومة العمل الإبداعى.

إن تشويه اللغة خسارة فادحة للمجتع، وكما أشار عالم النفس ليف فيجوتسكى (1896- 1934) فإن اللغة تنشأ مبدئياً كوسيلة للتواصل بين الفرد والمجتمع فى بيئته. وبناء على التواصل تتحول اللغة الى حوار داخلى، الذى يعمل على تنظيم الفكر، ومن ثم تصبح اللغة وظيفة عقلية داخلية. ينشأ الخطاب الداخلى، والأفكار التأملية، من هذا التفاعل وهو مصدر لتنمية السلوك الإنسانى. ومن منظور فيجوتسكى هناك علاقة تبادلية بين اللغة والفكر والتنمية، فأنتشار وتزايد اللغة الركيكة، واللغة المبتذلة، يؤدى إلى تدهور القيم، والذى ينعكس سلبا على تطوير وتحديث المجتمع فى سلوكه وفنونه وعلومه. إن إنهيار اللغة ليست بالشأن البسيط، لأن اللغة تؤثر على تصورات الأفراد فى عوالمهم الإجتماعية والثقافية، لذلك إن تفشت هذه اللغة الركيكة وتلك اللغة المستهجنة، كل ذلك ينحت تضاريس ضحالة الفكر والقدرة المعرفية فى المجتمع.

اللغة هى حاملة تيارات الوعي من جيل إلى أخر، اللغة هى التي تستطيع التواصل والتسامي والتكامل في تنمية التجربة الإنسانية، وبالتالي يحدث التطور والتقدم للمجتمع الانساني. فعلينا أن ندرك هذه القيمة فى منظومة حياتنا.